ثقافة في معهد العالم العربي بباريس: احتفاء بتجربة الروائي كمال الرياحي والقصّ البوليسي
استضاف معهد العالم العربي بباريس الروائي التونسي كمال الرياحي في الملتقى الدولي حول القص البوليسي العربي يومي 28 و29مارس 2019 بالاشتراك مع جامعة باريس 8 والجامعة الأمريكية ببيروت والقلم اللبناني.
وقد احتفى معهد الاينالكو تحت اشراف الأكاديمية كاتيا غصن بالكاتب التونسي من خلال تنظيم محاضرة عن روايته المشرط قدمها الأكاديمي ناجح جغام من جامعة نانت.
إلى جانب عدد كبير من المداخلات حول واقع القص البوليسي العربي قدمها الاستاذة ماثيو تيلياي وبلال ورفلي ومحمد زروق وجوناثان غويار وجوخة الحارثي وبنوا تادياي وغيرهم.

اختتم الملتقى الدولي بلقاء متميز في شكل مناظرة بين الروائي والناقد التونسي كمال الرياحي صاحب "عشيقات النذل" و"واحد صفر للقتيل" و"المشرط و"الغوريلا" والروائي والسيناريست المغربي عبد الإله الحمدوشي صاحب روايات الحنش وءبللة بيضاء والحوت الأعمى وأدار اللقاء باقتدار الكاتب والمترجم الفرنسي الكبير ريشار جاكموند.
حضر اللقاء عدد كبير من المثقفين العرب والأجانب واتسم بروح مرحة وساخرة وشيء من القتال المرح حول الافكار وحول واقع الرواية البوليسية العربية وافاقها. ولئن استمات الروائي المغربي في الدفاع عن الرواية البوليسية باعتبارها واقعا وموجودة انطلاقا من مراهنته عليها كتابة، فإن كمال الرياحي أخذ الحوار إلى منطقة أخرى من النقاش حول ذهنية الكتابة الأدبية وارتباطها بواقعها وطبيعة تموقعها السياسي والاجتماعي والفكري الذي ينتجها ووصل إلى نتيجة استحالة أو صعوبة انتاج رواية بوليسية عربية خالصة.
الكاتب التونسي الذي عرف بأعماله ذات الحبكة البوليسية يقول ان الاستعانة بالعناصر المكونة للرواية البوليسية لا يعني كتابة رواية بوليسية ويعتبر أن ذلك شكلا من أشكال الكتابة الفنية والاعيب السرد لكتابة أفكار اعمق من الذي تطرحه الرواية البوليسية التي غايتها التسلية وتتوجه إلى متلقي بسيط يعيش ترفا وهذا القاريء غير موجود في العالم العربي .
القاريء العربي لا يمكن ان يعطي صك بطولة للشرطي او المحقق الذي يقمعه والكاتب العربي يعرف ذلك ولا يمكن أن يقدم له صورة بطل من الشرطة مع انه يقبلها في أعمال غربية أن كان ذلك في المسلسلات او الافلام أو الروايات.
في المقابل دافع عبد الإله الحمدوشي عن إمكانية كتابة الرواية البوليسية ودافع عن صورة البوليس الذي تغيرت حسبما يقول في المغرب بعد إصلاحات الملك وأصبح شعار الشرطة في خدمة الشعب أمرا واقعا وهذا نفسه ما رد عليه الرياحي بأن تلك الشعارات المرفوعة في دهاليز في كل مخافر الشرطة العربية هي شعارات مضللة وان القمع والتعذيب الرشوة والفساد امر واقع في كل المجتمعات العربية ولا يمكن أن نتحدث إلا عن بوليس في خدمة النظام وفتح الموضوع عن استحالة الحديث عن عدالة والعدالة في الذهنية العربية مؤجلة لما بعد الموت والله يحتكر العدل بصفته العادل بالألف واللام والدنيا موسومة بالباطل بينما الآخرة هي دار الحق.

واخذ الرياحي الحديث نحو أفكار فلسفية حول الحقيقة والحق والفرق بينهما والعنف والقوة ونظرية ماكس فيبر، فالعربي يعيش ما قبل الدولة لذلك لم يفوض سلطة الدولة لتدافع عنه ولذلك لم يسلمها قوته ولم يتنازل لها عن حقه في ممارسة العنف لتستأثر به.
لقد وصل الحاكم العربي بالتوريث او عبر انقلابات او تزوير انتخابات فكيف سيكون بوليسه حامي العدالة ليكون بطلا بعد ذلك في الروايات البوليسية.
تحدث في المقابل عبد الإله الحمدوشي عن ترجمة روايته الانجليزية وعن التوزيع السيء للرواية البوليسية العربية. واعتبر الرياحي ذلك دليلا آخر على ضعفها لانها لا تجد لا ناشرا ولا قارئا ولا موزع وانها تبحث عن طوق نجاة في لغات أخرى كما كان الأمر مع ياسمينة خضرا مثلا.
وقال الرياحي مازحا انه لو كانت الرواية البوليسية العربية موجودة لكان على صديقي عبد الاله الحمدوشي أن يستضيفني انا كاتب الرواية غير البوليسية في واحد من قصور ه لان كاتب الرواية البوليسية بهذا العدد لا بد انه ثري كما جورج سيمنون بالروايات البوليسية في العالم تكتب من أجل المال وتحققت لذلك يقدم على كتابتها حتى كتاب الرواية غير البوليسية بأسماء مستعارة لتحقيق أرباح.
وقال الرياحي في ذات السياق: المجتمعات العربية تسمي ابناءها باسم القاتل لا باسم المقتول. لذلك تسمي قابيل والبطل الشعبي في الذهنية العربية هو الباندي والفتوة والمجرم.

وذكر حادثة طريفة أن بعض الشعب التونسي اقدم على وضع العلم التونسي على جثمان علي شورب الباندي الذي دخل السجن آلاف المرات و خرج الشعب بالآلاف في جنازته . نفس الشعب جعل من صورة هذا المجرم تطبع وتباع على قارعة الطريق جنبا إلى جنب مع الرئيس بورقيبة وعرض الرياحي صورة علي شورب التي تباع في الشوارع والتي وصلته هدية من كاتب تونسي آخر إلى صدور روايته الغوريلا عن دار الساقي والتي كان الرياحي قد صدّرها بعبارة علي شورب "أنا الحاكم منستعرفش به".
وختم الرياحي بقوله: "إن الرواية البوليسية الغربيّة نفسها تعيش أزمة ثقة، فبعد سخرية بوكوفسكي وارنستو ساباتو تقدم رواية الوعد السويسرية لفريدريش دورنمات هجاء كبيرا لمنطقها باصرارها على فكرة وجود العدالة في واقع مضاد فليست العدالة قائمة دائما إذا لم تكن اصلا مستحيلة تقرؤ في الرواية: "انا لم احسن الظن يوما بالروايات البوليسية... هناك للاسف احتيالا يمارس في هذه القصص البوليسية. ولا أعني بهذا أن مجرميكم ينالون دوما عقابهم. فهذه الاسطورة الجميلة ضرورية من الناحية الأخلاقية .انها من الأكاذيب التي تقوم عليها دعائم الدولة. الاحداث عندكم تسير بصورة منطقية وكان المرء يلعب الشطرنج، هنا المحرك وهنا الضحية هنا المطلع الجريمة وهنا المستفيد. يكفي أن يعرف المخبر القواعد وان تتكرر اللعبة".
حتى يمسك بالمجرم ويساعد العدالة على الانتصار... الصدفة لا تلعب في رواياتكم أي دور ... منذ قديم الأول وانتم -أيها الكتاب - تضحون بالحقيقة من أجل القواعد الدرامية . حان الوقت لترسلوا هذه القواعد إلى الجحيم. لا يمكن ان يسير الحدث وفق حسبة معينة."
انتهى اللقاء المرح والمناظرة الشيقة بتعميق السؤال أنّ الرواية العربية والعالمية استفادت كثيرا من النفس البوليسي وان هذا النوع يعيش حالة تجدد دائم في الغرب ومن الممكن أن يساهم في نهضة الرواية العربية إذا استثمرت عناصره بشكل جيد.